الإعلامي منير الحافي
لمتابعة الكاتب:
mounirhafi@
X, Facebook, Instagram
بلغ الفنان اللبناني الكبير صلاح تيزاني المعروف بأبي سليم، عامه السابع والتسعين في ١٥ نيسان الفائت. أردتُ من باب الوفاء لهذا الرجل الكبير الذي أتواصل معه ومع عائلته الكريمة دائماً، أن أشاركه الفرحة فذهبت بصحبة ثلة من الأصدقاء إلى بيته في الطريق الجديدة في بيروت لقص «كيكة» عيده والغناء له: سنة حلوة يا جميل.
فرح أبو سليم بهذه الخطوة، أن يتذكره الناس الذين أضحكهم على مدى عقود. جيلاً بعد جيل، ضحك المشاهدون وبكوا، وتأثروا وتعلّموا من مسلسلات أبي سليم الرائعة عبر تلفزيون لبنان. ثم انتقل أبو سليم في مراحل لاحقة، ليقدم مسلسلاته عبر محطات خاصة.
أبو سليم أضحك الجمهور من دون رذالة. أبو سليم خاض في المواضيع الاجتماعية الضاغطة من دون أن يؤذي عيون المشاهدين أو آذانهم. أبو سليم الموهوب، الذي أتى من خلفية عمله نجاراً في طرابلس، كتب حلقات مسلسلاته وحفلاته، ومسرحياته وأفلامه، بحرفية كاملة تعكس أحداث الأيام والوقائع التي كانت تجري في لبنان. فتناول مواضيع الغلاء، والنميمة، والبخل، والحسد، وكل موبقات المجتمع بطريقة فكاهية، فيها الكثير من الدروس والعبر. أبو سليم لم يشتغل لنفسه فحسب، بل اشتغل لـ «الفرقة» ومعها. الفنان الراحل محمود مبسوط الملقب بفهمان كان كظله، والفنان الكبير الراحل عبدالله الحمصي الملقب بأسعد، كان شخصاً أساسياً في الفرقة. ناهيك عن الفنان صلاح صبح الملقب بشكري، وآخرين، أغنوا الكوميديا الهادفة.
أبو سليم وفرقته أبدعوا منذ الخمسينات في القرن الماضي على مسارح طرابلس، وتوجهوا إلى بيروت في العام ستين ليعملوا مسلسلات «ضاربة» في تلفزيون لبنان الذي شهرهم في الوطن والعالم العربي. ولأن تلفزيون لبنان كان الأقوى عربياً فقد كانوا فرجة للمشاهدين سواء محلياً أو عربياً.
في عيد ميلاد أبي سليم السابع والتسعين سألته: ما هي الحكمة التي أخذتها من سنوات عمرك الطويل؟ قال: العطاء أهم ما يمكن أن يقدمه الإنسان. العطاء في كل شيء. الفن عطاء، وهو أمضى عمره في العطاء لأجل الناس.
لن أنسى هذا الكلام لكبير الفنانين اللبنانيين.
في الوقت نفسه، أعطى الناس للأستاذ صلاح تيزاني الحبّ والاحترام والتعلق به. أذكر أنني كنت أحلم بلقائه وأنا طفل، ولقاء فهمان وأسعد وسعيد ودرباس. كنا نتقصد المرور من محلة الجامعة العربية لنشاهد «فهمان» في محله لبيع العصير، وإذا حالفنا الحظ نترجل من السيارة برفقة والدنا كي نسلّم عليه بحجة شرب العصير!
تعرفت إلى أبي سليم، وكلّما رأيته تذكرت مسلسل «سيارة الجمعية» وهي سيارة من نوع فولسفاكن. سيارة بالية، مكسّرة، يقودها فهمان لكنها تتسع للجميع. مرة يدفعها درباس أو جميل أو أسعد أو أبو سليم، لكنها تسير على بركة الله. مهشمة مثل البلد، لكنها تسير.
الفرقة في المسلسل مجموعة فقراء، كل يعاني من أزمة، لكنهم في النهاية متحابون، متآخون، يريدون العيش بسلام وأمان.
ظل أبو سليم يكتب ويمثّل ويدير فرقة طوال حياته. مات معظم الممثلين وبقي. هذه إرادة الله سبحانه وتعالى، كما يقول. وكأنه هو الذي اهتم بهم أحياءً، كما اهتم بدفنهم. لكن هل يُدفن الفنّ؟ هل الفنّ الجميل والفريد الذي قدمه أبو سليم وفرقته أكثر من نصف قرن، يمكن أن يُمحى أو يُنسى؟ طبعاً لا.
أرشيف تلفزيون لبنان غني جداً بحلقات أبي سليم، وأبي ملحم، ومحمد شامل، وفيليب عقيقي، وإبراهيم مرعشلي، وكل الكبار الذين أسسوا الفنّ أو ساهموا في تحسينه وتطويره في لبنان. هؤلاء يجب الإضاءة على فنونهم وشخصياتهم وأدبهم وإنجازاتهم.
كم هي كبيرةٌ مسؤوليات وزارة الإعلام ووزارة الثقافة والحكومة مجتمعة في لزوم الإضاءة على كبارنا في الفنّ والتمثيل والأدب. كم هي كبيرة مسؤولية القطاع الخاص أيضاً الذي يجب أن يستثمر في الثقافة اللبنانية التي هي كنزٌ من الكنوز اللبنانية.
أسعدني أبو سليم حين قال لي إن جامعة الكسليك أخذت أرشيفه المكتوب ووضعته في مكان خاص كي تحافظ عليه، وتجعله متاحاً للجمهور الذي يريد أن يطلع على مسرحياته وحلقاته الإذاعية ومسلسلاته التلفزيونية.
كتب أبو سليم ٢٢٥٠ حلقة تلفزيونية و٩٠٠ حلقة إذاعية، ١٧ مسرحية، و٤ أفلام تحمل عنوان أبو سليم، هي: أبو سليم في المدينة وأبو سليم في أفريقيا وأبو سليم في الجيش، وأبو سليم رسول الغرام. ومع الرحابنة مثّل فيلمين، و٤ أفلام مع محمد سلمان.
أدعو للأستاذ صلاح بطول العمر واستمرار العطاء.