الإعلامي منير الحافي
لمتابعة الكاتب:
@mounirhafi
X, Facebook, Instagram
وصف وليد جنبلاط اعتراف بريطانيا بدولة فلسطينية بأنه نفاق تاريخي. وقال: «بعد مرور مئة وثمانية أعوام على جريمة بلفور بحق الشعب الفلسطيني، يأتي اعتراف بريطانيا بالدولة الفلسطينية اليوم ليشكل ذروة النفاق التاريخي ليس أكثر».
أحترم وليد جنبلاط وأتفهم مخاوفه، لكن باعتقادي أن إخواننا الفلسطينيين يتمسكون بهذه القشّة بعد قرن وأكثر من العذابات مع الدولة العنصرية التي احتلت أرضهم وجعلتها دولة قومية مخصصة لليهود الصهاينة. كما أنّ الفلسطينيين أصحابَ الأرض الأصليين، عانوا قبل قيام إسرائيل من البريطانيين، سواء من وزير خارجيتهم عام ١٩١٧ آرثر جيمس بلفور، مروراً بكل القادة السياسيين والعسكريين. كما عانوا الأمرّين من الأميركيين الداعمين لإسرائيل على مدى السنين. وعانوا كثيراً من كل الذين وعدوهم ولم يفوا، كما عانوا من بعض قادتهم ومنظماتهم وأحزابهم. لقد تجرع الشعب الفلسطيني الحزن والشهادة والجروح، وحان له أن يرتاح. فهل تقوم له دولة قابلة للحياة، ديموقراطية، تنموية رائدة، تحمي الشعب وتعمل على إراحته من عذاباته ومآسيه؟
انطلاقاً من هذه الأفكار، أقيم مؤتمر «حل الدولتين» في الأمم المتحدة في نيويورك الإثنين الماضي، برئاسة مشتركة من السعودية وفرنسا، وهدف إلى دفع تنفيذ الحل القائم على قيام دولتين فلسطين وإسرائيل تعيشان جنباً إلى جنب في سلام وأمن. جاء المؤتمر قبيل انطلاق الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة. ولقد اعتمد المؤتمر «إعلان نيويورك» الذي حظي بتأييد من مئة واثنتين وأربعين دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويؤكّد الالتزام الدولي بحل الدولتين، وقرر اتخاذ مسار لا عودة عنه نحو تحقيق الدولة الفلسطينية المستقلة. كما حصل خلال المؤتمر اعتراف تاريخي دولي بدولة فلسطين. فقد أعلنت فرنسا وبلجيكا ومالطا ولوكسمبورغ وموناكو وأندورا رسمياً اعترافها بدولة فلسطين.
وهذه الاعترافات تضاف إلى اعترافات دول أخرى صدرت قبل المؤتمر، مما رفع عدد الدول المعترفة إلى ما يقارب ١٦٠ من أصل مئة وثلاث وتسعين.
هذا الجهد السعودي الفرنسي غير المسبوق الذي تولاه شخصياً الأمير محمد بن سلمان والرئيس إيمانويل ماكرون بهدف الاعتراف بفلسطين ووضع خطة لإقامة الدولة الفلسطينية، قابله رفض إسرائيلي وأميركي كما هو معروف. والأسئلة المشروعة الآن هي، هل يستطيع العالم كله أن يقيم دولة فلسطينية إذا كانت إسرائيل - محتلةُ الأرض والسماء والتاريخ والحاضر - ومن وراءها الولايات المتحدة ترفضان إقامة دولة؟ من يقنع إسرائيل وأميركا؟ كيف يقتنعان؟ هل يستطيع العرب وفرنسا وبريطانيا وأستراليا وباقي الدول المعترفة بدولة فلسطين أن ينتزعوا الشرعية لفلسطين الدولة؟
السؤال الآخر المهم: ماذا يحصل بكل هذه الأراضي المحتلة في غزة والضفة الغربية؟ كيف يخرج منها الاحتلال الإسرائيلي؟
غزة، «كانت غزة»، حوّلتها الدبابات والمقاتلات الإسرائيلية ركاماً على رؤوس أهلها الصابرين. والضفة الغربية التي صارت مقطعة الأوصال بفعل المستوطنات فوق الأرض وتحت الأرض على حد سواء. كل مدينة وقرية وحي فلسطيني صارت مقسمة بمستعمرة إسرائيلية. حتى أصبحت خريطة فلسطين ملونة بالنقاط الحمراء القبيحة، وكأنها جسمٌ مصاب بمرض الجدري القاتل.
من يستطيع أن يقيم دولة فلسطينية – عربية في فلسطين؟
لا شك أن صمود الشعب الفلسطيني الذي يعاني ويقاسي ويقاوم بكل أنواع المقاومة منذ مئة عام، خصوصاً بعد نكبة العام ١٩٤٨، هو الأساس. لكن المسـؤولية العربية والدولية لا تقل أهمية كذلك. هل يستيقظ العالم من سباته العميق؟ هل تفيق الإنسانية لترى أنّ هناك شعباً حقيقاً، أساسياً، ليس هامشياً، هو الشعب الفلسطيني، يستحق الحياة ويستحق الفرح ويستحق السلام ومقومات الإنسان الموجود في كل أنحاء دول العالم؟
في تلك المدينة التي كانت فلسطينية يوماً، توجد حياتان: حياة بذخ ورخاء في القسم المحتل من فلسطين التاريخية الذي صار إسرائيلياً. وحياةُ بؤس ومعاناة في الجزء المسلم أو المسيحي من فلسطين. أكثر المدن معاناة هي القدس. فغرب القدس لا يجرؤ إنسان على ردها إلى فلسطين أو الحديث عن استردادها. أما الجزء الشرقي فإن مسجدها الأقصى ومن ضمنه مسجدها التاريخي الآخر قبة الصخرة وكنيسة القيامة المقدسة فيها، تشهد كل يوم على ظلم كبير واحتلال طال أمده. هل يستفيق العالم؟ متى ينتهي الاحتلال؟ متى يتحقق الوعد الحقّ، فتنشأ دولة فلسطين؟