الإعلامي منير الحافي
لمتابعة الكاتب:
@mounirhafi
X, Facebook, Instagram
من السبت الذي مضى حتى هذه اللحظة، يتم الحديث عن الزيارة التاريخية التي قام بها مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان ومعه وفدٌ من علماء لبنان، لدمشق. وإن كانت الزيارة لتهنئة الحكم الجديد في سوريا بعد سقوط نظام القتل والقمع، إلا أنّ إمكانية البناء الإيجابي عليها، تجعلني أتحدث عن دلالاتها المهمة جداً.
لقد أصاب المفتي في توقيت الزيارة، إذ إنه لم يسارع قبل ذلك، إلى الذهاب لدمشق لتهنئة «الرئيس السنّي». بل توجه بعد مضي ستة أشهر من الحكم الجديد، وبداية وقوف سوريا الجديدة على قدميها بعد طول مرض. إختيار المفتي وصحبِه الصلاة أولاً في جامع بني أميّة، هو أمر طبيعي. ففي ذاك المعلم الإسلامي التاريخي، إرثُ خلافة إسلامية حضارية أغنت الشام ولبنان والمنطقة وصولاً إلى كل العالم. في الجامع الأموي، صلّى مفتي لبنان وصحبُه الكرام، بضيافة وفد سوري رفيع. وزار المفتي والوفد داخل الجامع، مقام سيدنا يحي عليه السلام ومشهدَ الإمام الحسين رضي الله عنه، وضريحَ القائد الإسلامي الكبير صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى.
أما في السياسة، فقد قال المفتي دريان كلاماً يحمل صفة الاعتدال الذي يميّز أهل السنّة في لبنان وسوريا. وقال المفتي للشرع: «جئنا لكي نتشارك في إصلاح الحاضر، وصنع المستقبل الزاهر».
في الحقيقة كانت كلمة المفتي دريان أمام الرئيس السوري، شاملة وَصّفت الحال، وأملت بمستقبل مشرق لسوريا ولبنان.
في المقابل، علمتُ أنّ الوفد اللبناني خرج بانطباع ممتاز عن شخصية الرئيس أحمد الشرع. فقد رأى في قصر الشعب، شخصية متّزنة وذكية. حتى أنّ الشرع كان حريصاً على اختيار كلماته بدقة أمام المفتي والوفد. فهو لم يستخدم كلمة «السنّة» ولم يتطرق إلى حزب الله بالاسم. بل أسف لمشاركة «أحد الفرقاء في لبنان» في الحرب ضد السوريين. وقال الشرع للوفد: «أنتم في لبنان أمام فرصة تاريخية بعد التغيير في سوريا وعسى أن تستفيدوا منها». ونفى الشرع أن يكون هناك حشود سورية لاحتلال لبنان. برأيي، فإن سوريا «تحشد» أبناءَها لبناء نفسها! تراكم الجهودَ لخلاصها من مشاكلها ومآسيها المتراكمة منذ ستين عاماً. فهم الوفدُ أنّ سوريا تعمل ليلاً ونهاراً لتوحيد أبنائها، وبناء ما تهدّم في دمشق وكافة المناطق جراء القصف والدمار والحروب. ولاحظ الوفد أنّ الرئيس الشرع كان يدوّن كلام المفتي والوفد على مفكرته الخاصة.
أما «خبرية» ضمّ سوريا لطرابلس والشمال فقد نفاها الرئيس السوري.
وفي موضوع الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الأراضي السورية خصوصاً في درعا والقنيطرة وغيرهما، فقد أكد الشرع أن سوريا تعتمد لغة الدبلوماسية في الرد عبر رفع الشكوى إلى الأمم المتحدة بحسب الأصول المتبعة دولياً. الوفد اللبناني رأى في الشرع، رجلاً كان يقاتل لأجل قضية، فخلع بذته العسكرية ليبني دولة.
سوريا بالنسبة للبنان، هي بوابتُه البرية إلى العالم العربي. التعاون ما بين لبنان المستقل وسوريا المستقلة، مهم جداً في مسيرة بلدنا السياسية والاقتصادية. وهذا ما أكده المفتي دريان للشرع. الوطنية في كلام المفتي كانت واضحة. صحيح أن الزيارة دينية لأكبر مسؤول مسلم سنيّ في لبنان، للرئيس السوري وللقيادة السورية الجديدة، إلا أن المفتي حريص على تعامل لبنان مع سوريا من دولة إلى دولة، وهذا لا يُلغي إطلاقاً المعاملات الدينية الطبيعية ما بين دار الفتوى في لبنان مع كل من وزارة الأوقاف ودار الإفتاء في سوريا.
لقد بدأت سوريا تأخذ خطوات مهمة في إطلاق مسيرة الإعمار والإنماء. حتى الإعلام سيكون له مدينة في سوريا. برأيي، سوريا قد تسبق، وستسبق لبنان في مجال الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني، وبالتالي عودة التنمية والمشاريع الكبرى، وأموال مهاجريها، والاستثمارات العربية والدولية إليها، لعدة أسباب أهمها: وحدة القيادة والرؤية. في لبنان، رغم تنوعه السياسي والإثني، يبدو الأفقُ بعيداً. يجب توحيد الرؤى فعلاً، لبناء دولة واحدة، قادرة وعادلة. تلزمنا الإرادة، ويلزمنا القرار، وتلزمنا الأدوات. قال الرئيس الشرع لوفد دار الفتوى إنّ «لبنان أمام فرصة تاريخية اليوم». فهل نغتنمها؟