الإعلامي منير الحافي
لمتابعة الكاتب:
@mounirhafi
X, Facebook, Instagram
لطالما أعجبني الراوي الشعبي الراحل سلام الراسي الذي كان يفصّل حكايات الأمثال عبر تلفزيون لبنان عندما كان هو المؤسسة الإعلامية المرئية شبه الوحيدة في لبنان أيام العزّ. وكتب الراسي سلسلة كتب قيّمة تتحدث عن الأمثال اللبنانية التي نتداولها جميعاً خلال حديثنا، فنذكر المثل الذي يعبّر خير تعبير عن واقع أحوالنا سواء في السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد.
أتذكر وإياكم أصدقائي المستمعين اليوم قصة «كلّ ما دقّ الكوز بالجرّة».
روى الكاتب الحذق أنّه كان في إحدى القرى امرأتان جارتان، بينهما خلاف دائم على أمور صغيرة مثل الماء والغسيل، أو الأولاد، أو الكلام الذي يُنقل عن كل واحدة منهما، من بيتٍ إلى آخر. وكلّما هدأت المشاكل بينهما، وقع خلاف جديد.
في يوم من الأيام، وبينما كانت إحداهما تملأ جرّتها من البئر، جاءت الثانية تحمل كوزها وهو إناء صغير للماء. وبدلاً من أن تنتظر دورها، اصطدمت بالكوز في جرّة الأخرى، فانكسرت الجرّة. اشتعل حينها الشجار بينهما، وارتفع صوتاهما وتدخّل الجيران.
ولأن اصطدام الكوز بالجرّة على بساطته، كاد أن يسبب حرباً في الضيعة، ذهبت القصة مثلاً. فأي موضوع وإن كان بسيطاً يمكن أن يثير خلافاً هائلاً ليس بين سيدتين من أهالي البلدة فحسب وإنما في البلد، بل في كل العالم.
سلام الراسي استعمل القصة أيضاً كصورة اجتماعية ليقول إن الناس في القرى كما في المدن يعيشون أحياناً في سلامٍ ظاهري، لكنّ الكوز ينتظر أن يُضرب بالجرّة، لتظهر الخلافات الحقيقية، والنيات المبطّنة.
كذلك أراد الراسي أن يقول إنّ الحكاية ليست مسألة إناء مكسور، بل انكشفت أمورٌ كانت مخفية، وصار الناس يقولون: «كلّ ما دَقّ الكوز بالجرة» أي كلّما انفتحت المسألة تظهر أمورٌ أخرى كانت مخفية وتكبر المشكلة.
في هذا المقام، دقّ الكوز في الجرة عند الروشة. في تعبير واضح عن خلاف عميق وقديم بين الدولة وحزب االله.
ودق الكوز في الجرّة أمس بين شركة جمع النفايات في بيروت، وبلدية بيروت والمحافظ، والبلديات المستضيفة لنفايات العاصمة في مطامرها. فهي ليست قضية «رمانة» فحسب، بل قلوب مليانة قوامها المصالح والسياسة والأموال.
الكل ينتظر الآخر على الكوع كي يقوى على الآخر وينتصر عليه. والخاسر الأكبر في بيروت هم أهلها وسكانها.
الخاسر في الروشة هم الناس الذين يتفرجون على خلاف الدولة والحزب فيما الروشة ومحيطها وبيروت ومعظم لبنان، بلا إضاءة ولا كهرباء، وبلا أي خدمات أساسية لحياة الإنسان. الحزب يتحدى الدولة في الروشة، فيما الناس يموتون في الجنوب من القصف الإسرائيلي الغاشم. وفي بيروت وطرابلس وجونية وصيدا وغيرها، يموت الناس من الأمراض الخبيثة الناجمة عن تلوث الهواء من مولدات الكهرباء المنتشرة كالفطر بين البيوت.
كل ما دق الكوز بالجرة يختلف حزبان أو طرفان أو مسؤولان في «الضيعة» فيتلاسنان أو يتضاربان. لكن بالله عليكم، من الخاسر الأكبر؟ أفيدونا.