الإعلامي منير الحافي
لمتابعة الكاتب:
@mounirhafi
X, Facebook, Instagram
لعلّ الرئة الوحيدة التي يتنفس منها لبنان، هي الرئة الخارجية. فالرئة الداخلية يشوبها الكثير من الغبار والأمراض، وتحتاج إلى أطباء جراحين، ربما لم يحن الأوان بعد لنجاحهم. نأمل أن نكون على طريق المعافاة.
وأما الرئة الخارجية فهي رئة اللبنانيين المنتشرين في العالم. وهؤلاء يدعمون لبنان عبر التحويلات المالية الهائلة. ولهم حق في انتخاب النواب المئة والثمانية والعشرين، كما أنّ لهم الحق في إعطاء رأيهم في السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، وكل ما يتصل بشؤون بلدهم الأم.
خلال الأيام الماضية، التقيت شخصين لبنانيين يعيش كلٌ منهما في بلد في الخارج.
الشخص الأول كان سيدة تعيش مع زوجها في دبي بالإمارات العربية المتحدة وتعمل في شركة عربية. أتت إلى لبنان لرؤية عائلتها الكبرى وكي تصطاف مع عائلتها الصغرى في ربوع بلدها. تقول بحرقة وأسف: صدقني، نحن نحب لبنان محبة لا مثيل لها. نتغنى به كما يتغنى العاشق بمحبوبته. لطالما أفتخر أنني لبنانية. فكل شيء لبناني، يُفتخر به. أولاً، كان اللبناني في الخليج مطلباً للمؤسسات، بعلمه وثقافته وتعدد لغاته. ثانياً، مطبخنا اللبناني يسعى الجميع إلى أن يقصدوه، فترى المطاعم اللبنانية في دبي والإمارات مليئة بالوافدين. تضيف: كنت أقول لصديقاتي بفخر «نحن أحلى بلد في العالم، تعوا شوفوا لبنان وطقسه. شوفوا بيروت وشوارعها وناسها. شوفوا الجبل والغطيطة والبرود في عزّ الصيف». تعوا شوفوا لبنان.
لكنّ هذه السيدة سرعان ما تقول لي: لكن للأسف صرت الآن خجلانة من الحالة التي وصل إليها لبنان واللبنانيون! انظر حولك في بيروت. لا كهرباء، لا ماء، لا قانون، لا قوى أمنية في الشوارع، لا نظام. لاحظ الدراجات النارية. انظر إلى هؤلاء المجانين الذين يقودون عكس السير. هل ترى ضوابط؟! هل ترى أخلاقاً؟! هل ترى أشخاصاً يؤتمنون على القيادة؟
تنقل السيدة عن ابنها الصغير الذي وضعته في إحدى مدارس بيروت كي ينخرط في دورة صيفية أنّه قال لها: التلاميذ هنا غير نظاميين، لا يستمعون إلى تعليمات المعلمة. يصرخون طوال الوقت. تقول: إنّ ابنها الذي نشأ في دبي قد اعتاد على النظام وعلى الهدوء. وهذا ليس موجوداً في لبنان للأسف.
الشخص الآخر الذي قابلته، يعيش مع عائلته اللبنانية في إحدى بلدان أوروبا الشرقية. قال لي في المعنى نفسه، إنّه يغيب سنة ويعود بعدها ليجد أن شؤون البلد ما زالت على حالها وربما أسوأ. قلت له: لكن صار هناك قيادة سياسية جديدة وتعد بالتغيير. قال: إن شاء الله. أنا لا أتحدث عن أشخاص وإنما عن أحوال. قلت له. أعطني ما عندك. قال: جلستُ مع أفراد من عائلتي وأصحابي في أحد مطاعم وسط بيروت حيث العجقة. لاحظتُ يا منير أن رواد المطاعم هناك، هم من الأغنياء الجدد. وجوههم جديدة لم نعتد عليها.
يرى أن هؤلاء هم تجار المازوت ومولدات الكهرباء، والجماعة التي اغتنت من جراء تصريف الدولار خلال خدعة انهيار الليرة. قال، وصدّقته، إنّه حزين جداً على بيروت. صار لونها أسود بفعل التلوث الناتج عن موتورات الكهرباء. الأسود صار لون الأبنية والشوارع والأرصفة وكل شيء. وافقتُه.
أضاف: نظرتُ إلى وجوه الناس فرأيت الحزن. الناس يعتريهم الحزن على خسائرهم، وأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. لا استقرار سياسي، وخوف أمني دائم من إسرائيل، لا رؤية واضحة لتصحيح الأوضاع الاقتصادية والمالية. الأمور صارت معروفة.
ختم صاحبي كلامه: قد نشتري مياه الصهاريج لتنظيف الشوارع، لكن قلوب الناس السوداء الحزينة، كيف تُنظّف؟!